أبو نصر الفارابي
32
احصاء العلوم
نحسن الظن بجميعهم ، وإما أن نتهم جميعهم ، وإما أن نشرع في تمييز ما يتهم فيكون كل ذلك منا من غير تثبيت . ومن حيث لا نتيقن . فلا نأمن أن يكون فيمن قد أحسنّا فيه الظن أنه مموه مشنع ، فيكون قد نفق عندنا المبطل ، وأيدنا من يسخر بنا ونحن لا نشعر . أو يكون فيمن اتهمناه نحن فنكون قد أطرحناه ونحن لا نشعر . فهذه مضرة جهلنا بالمنطق ، ومنفعة علمنا به ، ويتبين أنه ضروري لمن أحب أن لا يقتصر في اعتقاداته وآدابه على الظنون « 1 » ، وهي الاعتقادات التي لا يأمن صاحبها عند نفسه أن يرجع عنها إلى أضدادها . وليس بضروري « 2 » لمن آثر المقام في الاقتصار في آرائه على الظنون وقنع بها . وأما من زعم أن الدربة بالأقاويل والمخاطبات الجدلية ، أو الدربة بالتعاليم مثل الهندسة والعدد تغني عن علم قوانين المنطق أو تقوم مقامه وتفعل فعله ، أو تعطي الإنسان القوة على امتحان كل قول وكل حجة وكل رأي ، وتسدد الإنسان إلى الحق واليقين حتى لا يغلط في شيء من سائر العلوم أصلا ، فهو مثل من زعم أن الدربة والارتياض بحفظ الأشعار والخطب ، والاستكثار من روايتها ، يغني في تقويم اللسان ، وفي أن لا يلحن الإنسان عن قوانين النحو ، ويقوم مقامها ويفعل فعلها ، وأنه يعطي الإنسان قوة يمتحن بها إعراب كل قول هل أصيب
--> ( 1 ) الظنون : جمع الظن ، وهو الاعتقاد الذي لا يأمن صاحبه أن يرجع عنه إلى ضده . والظن عند أفلاطون معرفة تقع بين المعرفة الحسية والمعرفة الاستدلالية . ( 2 ) أي ليس المنطق ضروريا لمن آثر الظنون في آرائه وقنع بها .